المتواجدين حالياً
5
1
عدد الزوار: 540705
أوقات الصلاة
الصبح 5:05
الشروق 6:28
الظهرين 11:48
العشائين 5:18
09/01/1430
06-01-2009 م
القائمة البريدية
الإسم
البريد
تفسير الفاتحة

العنبر المنثور
مكتبة الجوال


تفسير الفاتحة الجزء التاسع
أرسل إطبع ارسل رد على الموضوع حفظ المقال
تاريخ الخبر: 13/08/2008 م , تصنيف الخبر: تفسير سورة الفاتحة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

عليه توكلت وإليه أنبت وإليه المصير وأفضل الصلاة والسلام على أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

 

قال تعالى: }اهدنا الصراط المستقيم{

 

إن هذه الآية الشريفة تحتوي على عدة أبحاث مهمة:

 

البحث الأول:

 

ما هو المراد من  (الصراط المستقيم) لغة؟

الصراط هو الطريق الواضح والطريق البيّن, والطريق المعروف الخصائص, والمعروف الصفات, والمستقيم صفة لذلك الصراط, وصفة لذلك الطريق, والمراد أنه لا اعوجاج ولا انحراف فيه فيكون المعنى المحصل أنه الطريق السوي والطريق الموصل للهدف والمطلوب والمراد.

 

البحث الثاني:

 

أنه قوله سبحانه (اهدنا) يثير تساؤلاً وهو, ما هو المراد من الهداية؟

الهداية لغة هي الدلالة والإرشاد فيقال للإنسان الذي يتقدم القوم والقافلة ليرشدهم إلى الجادة والطريق بأنه دال ومرشد, وأنتم تستعملون ذلك فتقولون لمن لا يعلم الأحكام الشرعية في الحج بأنه لديكم مرشد الحملة أي الدال والهادي, وتقولون في تعاملكم اليومي (دل فلاناُ على الطريق) وقد جاء ذلك في الآيات الشريفة كما في قوله تعالى }إنما أنت منذر ولكل قوم هاد{

 

هنا هو المعنى اللغوي للهداية ولكن ينبغي أن نعلم بأن الهداية هي الدلالة إلى الطريق سواء أكان حقاً أم باطلاً وإن كانت تستعمل كثيراً في المعنى الأولي أي الهداية إلى الحق ولكنها قد تستعمل في المعنى الثاني كقوله تعالى (فأهدوهم إلى الصراط الجحيم). فالشيطان وأعوانه دالون وهادون إلى الشر والجحيم, والأنبياء والأولياء وأتباعهم هادون إلى الحق والهدى والخير والجنة.

 

البحث الثالث:

 

أقسام الهداية: هنا تقسيمان للهداية, وهما:

التقسيم الأول: عامة وخاصة


الهداية العامة: وهي ما تعم سواه سبحانه من المجردات والماديات

قال تعالى }ربنا الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى{

فالمولى سبحانه تعالى أعطى الهداية لكل المخلوقات لكي تصل إلى كماله المنشود, فهو الذي أهدى النحلة إلى صناعة العسل وكذلك النمل والملائكة, .., .. إلى هداها وإلى كماله والطريق الموصل إليه, فالكل سائر إلى غاية خلقه ووجوده ببركة هداه وإرشاده سبحانه وتعالى


الهداية الخاصة: وهي التي تختص بالمؤمنين

1-      قال تعالى }والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا{

2-      قال تعالى} وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا{

3-      قال تعالى}أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده{

 

إن هذه الآيات الشريفة وغيرها توضح وتثبت هداية خاصة لفئة خاصة لها أسبابها وعلى كل من أرادها أن يسعى لشرائطها وأسبابها لكي ينالها ويفوز بها فهي لا تفاض اعتباطا وبلا مرجح و...

 

التقسيم الثاني: الهداية تكوينية وتشريعية

 

الهداية التكوينية: هي الإيصال إلى المطلوب

الهداية التشريعية: هي إراءة الطريق

 

ولكي يتضح المراد نعطي مثالا عرفياً: قد يأتي إنسان يسألك عن بيت شخص, فهنا عندك موقفان:
1- أن تؤخذ بيده وتوصله إلى المنزل, وتقول له: هذا هو المنزل

2- أن تعطيه خارطة موصلة إلى البيت بأن تقول له اذهب إلى الشارع الفلاني ثم اترك ثلاثة منعطفات على يمينك والرابع ادخل فيه ثم كذا ثم رقم المنزل, فهنا قمت بعمل بيان وشرح وتوضيح وتعريف.

 

فالأول الهداية التكوينية والثاني التشريعية.

 

ولقد جاءت كل منها في الآيات الشريفة والضابط للمتميز بينها هو كون التكوينية غير اختيارية ولا تخلف فلا يمكن للإنسان أن يدعي أنه لا يملكها وأما التشريعية قد تخلف فقد لا تصل إلى إنسان هذه الهداية.

فالهداية التكوينية فطرية وتكوينية بمعنى أنها جبرا تهدي إلى الطريق وتوضح الخير والشر وهي وظيفة المولى سبحانه وتعالى. وأما التشريعية فقد أوكل إيصالها إلى الأنبياء والرسل وهي الآن بين يد العلماء والأولياء. و لا بأس بذكر بعض الآيات من كلا القسمين:

 

القسم الأول:

1- قوله تعالى}ربنا الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى{

2- قول تعالى}وهديناه النجدين إما شاكراً وإما كفورا{


إن الإنسان مهدي تكوينياً إلى معرفة الضر والنفع والخير والشر والهدى والضلال ومعرفة الطريق الموصل وغير الموصل, كما أن النملة والنحلة والملائكة مهديون إلى خيرهم وكماله ولكن الإنسان له الإختيار والحرية في التمرد والقبول والخضوع لإرشادات تلك الهداية التكوينية, والإنسان الذي يدعي أنه لا يستطيع أن يميز بين الهدى والضلال, والخير والشر هو إنسان ناقص عقلاً. وهذه الهداية التي يستضيء بها الإنسان لمعرفة الدعوة الإلهية من غيرها والنبوة الحقيقية والمزيفة, فالمشركون عندما أتاهم النبي الأكرم (ص) كانوا يعلمون أنه هو حق وصدق ببركة الهداية التكوينية والتشريعية وهو أن الإنسان يملك الإختيار والحرية في الإنقياد لها ورفضها.

 

القسم الثاني:

1- قوله تعالى}إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء{

2- قول تعالى}فمن أراد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام{

3- قول تعالى}وأنك لتهدي إلى الصراط المستقيم{

 

فهنا الهداية تشريعية لا تكوينية فالنبي (ص) دوره هو الهداية التشريعية كما هو واضح من الآية الثالثة وأما الثانية فكذلك إذ فسرت الهداية بالإسلام, وأما الأولى فهي تحكي قضية تحسّـر النبي (ص) وتألمه لعدم قبول الأمة وقريش بالخصوص الرسالة والهداية التشريعية

 

* البحث الرابع

 

هنا تساؤل مهم جدا وهو:

إذا كان الإنسان واجداً للهداية, فلا يصح منه أن يطلبها منه سبحانه وتعالى عقلاً إذ هذا من تحصيل الحاصل وهو قبيح ولغو عقلاً, فكيف نقول له سبحانه (اهدنا الصراط المستقيم) في حال كوننا مهتدين؟ أليس ذلك لغواً وعبثاً؟ هل نحن ضالون حتى نسأل الهداية؟

 

إن هذا التساؤل جوابه وجهان:

الوجه الأول:

أن الهداية أمر حادث قد يفقدها الإنسان بمجرد معصية أو ذنب فللإنسان أن يطلب من المولى سبحانه بقاء تلك الهداية واستمرارها في جميع مواقفه وحركاته ومعتقداته إذ هو معرّض للإنحراف في أي لحظة بسبب العوامل المضادة المتواجدة في المجتمع والتي تشترك معه في الدعوة إلى أفكاره ومحاربة الآخر, فالإنسان بقوله (اهدنا الصراط المستقيم) يطلب من الله سبحانه الدوام والثبات على الهداية الإلهية فالدعاء والسؤال دائم ومستمر إذ هو في صراع دائم مع أعداء الهدى الإلهي والإسلام لكي ينال الجزاء حين العاقبة والمصير. وقد فسرت الروايات هذه الآية بهذا المعنى:

فعن الإمام الباقر(ع) باقر علم النبيين, لما سئل عن معنى قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) قال (ع), (يعني أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك, والمانع لنا من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نؤخذ بآرائنا فنهلك)

 

إن الإنسان في حركته اليومية قد تتعارض التشريعات الإلهية مع أهوائه فتكون مقدمة على التشريع الإلهي, وقد تتخالف آراءه مع الآراء الشرعية, فيتبع آراءه ويخالف الهداية الإلهية والتشريع فيكون مصيره الضلال والتيه كما فعل الخوارج حين خالفوا التشريع والإمام علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام, ومثال ذلك في مجتمعنا بعض المثقفين المصابين بمرض يسمى النفس أي يرى لنفسه وجوداً وكياناً وثقلاً ورأياً بسبب ما يرى أنه يحمل زخماً من المعلومات التي يحفظها في ذهنه وعقله تجعله مؤهلاً أن يكون له رأي ونظر وإن كان ذلك مضاداً ومخالفاً للشرع والتشريع. فصدق عليه قوله أمير المؤمنين (ع) ( لا تصيّرُوا علمكم جهلاً) إذ الإنسان – البعض – قد يصبح مغروراً ومتكبراً على الآخرين وأفكارهم بموجب ما يملك من معرفة وعلم, فقد حوّل هذا السلوك تلك المعارف إلى جهالات إذ التكبر والغرور من شيم الجهال لا العلماء.

 

الوجه الثاني:

إن الهداية لها مراتب كثيرة متفاوتة, فالشخص الذي يكون واجداً لمرتبة منها يرغب ويطمع أن ينال المرتبة الأكمل والأرقى, فله أن يطلب الكمال والأكمل في الهداية, فعندما تقول: (اهدنا الصراط المستقيم) في حال كونك مهتديا, تريد بذلك أن تتم تلك النعمة عليك وأن تكتمل فأنت تطلب المرتبة الأرقى والأكمل. ولا بأس بالإشارة إلى بعض المراتب (طولية):

 

الأولى: مرتبة العلم والمعرفة والبيان, أو قل مرتبة الهداية التشريعية

الثانية: مرتبة الإعتقاد والتصديق والإيمان, فتلك الهداية التشريعية

الثالثة: مرتبة العمل

 

إن الأولى هي وظيفة إلهية أوكَلَها سبحانه إلى الأنبياء والرسل والأوصياء, بل نعتقد أنها مستمرة ودائمة إلى يوم القيامة ببركة الوجود المبارك لأوصيائه الأطهار عليهم الصلاة والسلام.

وأما الثانية والثالثة فهي من وظائف ومهمات العبد ومسؤولياته إتجاه مولاه سبحانه وتعالى. وفي كل مرتبة من هذه المراتب درجات متفاوتة أيضا, فمثلا أبوذر مهتدي, وأنت مهتد, والإمام (ع) مهتد, ولا شك بأن هناك تفاوت في تلك الهداية الإلهية سواء كانت معرفية أو عقائدية أو علمية.

 

ولابد من بيان أكثر ليتضح المراد من هذه المراتب, فالإنسان قد يملك معرفةً بالطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى, فهو عارف بالطريق المستقيم فهو مهتدٍ ويقابله الضال التائه, فالمشركون – أي مشركوا قريش – قبل مجيء النبي الأكرم (ص) لم يكونوا مالكين للهداية التشريعية, والهداية المعرفية ولكن بعد مجيئه (ص) وبيانه وتبليغه أصبحوا يملكون تلك المعرفة والهداية والمعرفية, فهنا الهداية المعرفية وصاحبها مهتدٍ ويقابله الضال التائه ولكنه معرفياً ومما لا شك اعتقادياً وعملاً إذ هما المرتبة الأساس للأخرى فلذلك كان القرآن هو الثقل الأكبر والعترة الثقل الأصغر إذ هم سائرون على ضوئه وإراشاداته.

 

بعد الهداية المعرفية تأتي مرحلة الإعتقاد والتصديق, فالإنسان يعرف الحق والهداية والطريق الموصل إلى الله والجنة ولكنه يتمرد على ذلك ويرفض تكبراً أو ظلماً أو لمصلحة شخصية, فرق بين إنسان يعرف الحق وإنسان لا يعرف, وكذلك فرق بين إنسان يعرف الحق ولكنه لا يؤمن ولا يتبع وآخر يعرف ويتبع. فالإنسان يعرف الحق والطريق ولكنه يكابر ومثاله هو رفض وإنكار ولاية أمير المؤمنين (ع) ورفض أهل البيت (ع) فقد علموا أن أهل البيت (ع) هم الطريق والباب والوسيلة الموصلة إلى رضاه وقربه ولكنهم لم ينقادوا لتك المعرفة الإلهية.

 

قال تعالى }وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا{

 

ومثاله اليومي المتكرر هو أن يخوض بعض الأشخاص حواراً لتحديد المعرفة الصحيحة أو الفكرة الصحيحة أو التيار الصحيح فتجد مع كون البعض يملك رؤية وهداية معرفية يميز بها الصواب والخطأ ولكنه لا يستضيء بها ولا يخضع لإرشاداتها ولا يتبعها طمعاً في ود صديق أو منصب أو مصلحة.

 

وبعد الهداية المعرفية والإعتقادية تأتي الهداية العلمية وهي الطامة الكبرى المبتلى بها من اهتدى فكراً واعتقادا, فجاءت مرحلة العمل التي ينبغي أن تكون متوافقة ومنسجمة مع الهداية المعرفية والإعتقاد إذ تجد البعض عنده كلتا الهدايتين ولكنه في مجال العمل والتطبيق تجد التخبط والتيه والحيرة فلذلك تجد الخلط بين الأعمال الحسنة والقبيحة, وبين الطاعة والمعصية بدون قصد إذ قد يكون منشأه الخلل في المراتب السابقة أعني المعرفية والإعتقادية إذ الضعف فيهما له أثره على الهداية في مرتبة العمل, وقد يكون لخلل ونقص في المعرفة العملية والميدانية.

 

إن الإنسان المؤمن إذا رأى الخلافات بين المسلمين يسأل المولى سبحانه وتعالى الهداية (اهدنا الصراط المستقيم) ويراه أهم سؤال وطلب إذ به يحدد مصيره الأخروي إذ ليس كل ما عند الناس حق, وليس كل ما عندهم باطل سواء كان في مرحلة الهداية المعرفية أو الإعتقادية أو العملية, فإتباع أهل الطهارة (ع) يملكون ولله الحمد الهداية المعرفية والإعتقادية ولكن في مقام العمل هناك اختلاط وتضارب بل عدم انقياد وتمرد عند البعض.

فكلنا في الفكر والمعتقد واحد ولكن قد يكون العمل مختلفاً ومضاداً ومناقضاً لذلك الفكر بل قد يكون منشأه انحراف في المرحلة السابقة ظلّ بظلاله على المرحلة والدرجة التالية, انحراف الفكر يلقي بظلاله على المعتقد والعمل, وكذلك المعتقد على العمل, فلذلك علينا أن نحدد أين هي دائرة الإنحراف إذ هي الخطوة الأولى قبل الشروع في تصحيحه, وعلينا أن لا نحاول التبرير لظاهرة الخلاف بغلاف حسن الظن المطلق – كما أيضا سوء الظن المطلق – بحجة واهية أننا نؤمن بوحدة الفكر والمعتقد, فكلنا من مدرسة واحدة, مما يوجب الإهمال في التأمل في دائرة العمل والسلوك إذ وحدة الفكر والمعتقد لا تستلزم التوافق في العمل إذ قد يتمرد الإنسان ولا يخضع لما يعلم ومؤمن به.

نعم الحكم المطلق على العمل المختلف والمختلفين والإختلاف بصورة عامه بأنه شاهد على عدم الإستقامة والإنحراف, هذا الإطلاق غير صحيح إذ قد يوجد الصدق والإخلاص في المراتب الثلاث – فكر و عقيدة وعمل – ولكن الإختلاف لا يرتفع بل متحقق وحاصل بين الصادقين والمؤمنين لتفاوت القدرات البشرية, واختلاف الطاقات وتنوع الإرادات تنقص تعدد وتنوع وتكثر الطرق والسبل الموصلة إلى المولى سبحانه وتعالى, فهنا سبيل المؤمنين, وسبيل الصالحين وسبيل المقربين, و...., فهي متعددة بقدر تعدد أنفاس الخلائق فالكل سائر إلى المولى سبحانه بقدر جهده وطاقته.

 

قال تعالى }قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور{

قال تعالى   }سبيل من أناب إليَّ{

وقال تعالى }سبيل المؤمنين{

 

إن هذا النوع والتعدد يدعو على الإنضباط والحذر بوصف المخالف بأنه منحرف وملتوٍ, بل الرحمة والرفق والإيمان درجات ومراتب وقد يرى العارف ما لا يرى الفقيه, وقد يرع الفقيه ما لا يرى الفيلسوف وقد يرى العالِم ما يرى المتعلم, وقد ترى ما لا يراه, وقد تستطيع ما يستطيع, فالإيمان جابر كأبي ذر ولا ما يقدر عليه أبو ذر يقدر عليه جابر, فالسبل كثيرة والصراط واحد, والسبل متعددة بإختلاف المعارف والقدرات عند السالكين والعابدين والمجاهدين, والله العالم

 

* البحث الخامس

 

سؤال: إن القرآن تارة يثبت الهداية للمولى سبحانه وتعالى: كقوله تعالى }وهديناه النجدين{ وقوله تعالى }ربنا الذي أعطى كل شخص ثم هدى{ وتارة أخرى ينفي الهداية عن الله سبحانه, أي أنها لم تصدر منه ولم يعطها, كقوله سبحانه وتعالى }إن الله يهدي القوم الفاسقين{ وقول تعالى }إن الله لا يهدي الظالمين{

أليس في ذلك تناقض – هادٍ وغير هاد؟

كيف نجمع بين الآيات الشريفة؟

 

حاصل الجواب:

إن هنا قاعدة عقائدية أشارت إليها روايات أهل الطهارة (ع) وهي:

(كل ما يصح توصيف الله تعالى ونقيضه أو ضده فهو صفة فعل, وكل ما لا يصح فيه ذلك فهو صفة ذات)

 

ومثال صفات الذات الحياة والعلم, فهنا لا يصح إلا الإثبات (الله حي وعالم) ولا يصح النفي والسلب

أما صفات الفعل كالرازقية والمخلوقية فيصح كلا الأمرين فنقول: الله رزق فلاناً ولم يرزق, والله خلق كذا ولم يخلق, والإرادة كذلك والهداية من هذه الصفات فكونه سبحانه وتعالى هادياً من صفات الفعل التي يصح فيها السلب والإثبات.

 

قال تعالى }يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء{

ولكن ينبغي أن يعلم بأن هذه هي الهداية التشريعية لا التكوينية عامة وشاملة لجميع الموجودات فلا يصح سلبها, والله العالم.

 

* البحث السادس

 

بحث روائي

ما هو المراد من الصراط المستقيم؟

 

نتكلم على مستوى مدرسة أهل السنة ومن ثم مدرسة أهل البيت (ع), فهنا مقامان:

 

المقام الأول:

روايات أهل السنة, فهنا أقوال أربعة:

 

القول الأول: أن الصراط هو كتاب الله عز وجل

إن هذا القول مروي عن النبي (ص) وكذلك الإمام علي (ع) وابن عباس أيضاً. إن الهداية المعرفية هي أساس الهدايات الأخرى التي يحتاج إليها الإنسان في أعماله وحركاته ومواقفه, ومنبع تلك المعارف هو القرآن الكريم حتى أن الإمام الكاظم (ع) عندما سئل عن علاقة علمهم بالقرآن قال (ع) بأن كل ما عندهم من القرآن وفي القرآن, فأهل البيت وهم أفضل الخلق وأعلم الخلق يسيرون على نهج القرآن وتعاليمه ويعتمدون عليه وبدونه لا يستطيع أهل البيت (ع) أن يعلموا شيئاً إذ هو المنهاج الذي يعرفون ما يريد ربهم ومولاهم سبحانه,  وماذا يريد من الإنسان والخلق فلذلك هو الثقل الأكبر وهم الثقل الأصغر فلذلك قال الإمام الصادق (ع) إشارة إلى حاجة الإمام إلى الهدى والمعارف الإلهية بقوله (ع) (لولا الله لما عرفناه, ولولا نحن ما عرفتموه)

 

القول الثاني: هو اتباع النبي الأكرم (ص)

واستدل لهذا القول بقوله تعالى }واتبعوني هذا صراط مستقيم{ فإتباع النبي (ص) هو الصراط المستقيم

 

القول الثالث: الإسلام

وهو المروي عن جابر, وعن ابن عباس (رض) وقد استدلوا عليه بقول تعالى}وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم{ ومما لا شك فيه أن النبي الأكرم (ص) يدعو إلى الإسلام

 

القول الرابع: الدين الحق في كل زمان وعصر هو (الصراط المستقيم)

قال تعالى }قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً{ فقد فسرت الآية الصراط المستقيم بالدين القيّم

 

المقام الثاني:

روايات أهل الطهارة (ع) وفيها ثلاثة أقوال:

 

القول الأول: صراط الأنبياء والصالحين

ففي مجمع البيان عن النبي (ص): اهدنا الصراط المستقيم, صراط الأنبياء وهم الذين أنعم الله عليهم

 

القول الثاني: أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام

1-      ففي معاني الأخبار بإسناد الصدوق (قده) عن الإمام الصادق (ع) قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين (ع)

2-      وأيضا في معاني الأخبار عن الإمام الصادق (ع) في قوله: اهدنا الصراط المستقيم, قال (ع): هو أمير المؤمنين ومعرفته, والدليل على أنه أمير المؤمنين قول الله عز وجل (وإنه في أم الكتاب لدينا لعليٌ حكيم)

 

القول الثالث: الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام

1-      ففي تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق (ع): والله نحن الصراط المستقيم

2-      وعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد (ع): نحن أبواب الله, ونحن الصراط المستقيم

3-      وفي إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق (قده) بإسناده عن الإمام الباقر (ع): نحن الطريق الواضح, والصراط المستقيم إلى الله عز وجل, ونحن نعمة الله على خلقه.

 

إن هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد ومفاد واحد وهو أن الصراط المستقيم مفهوم كلي المقصود والمراد منه ذلك الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى, ذلك الطريق الموصل إلى رضاه وحبه وقربه والفوز بجنانه والبعد عن ناره, والروايات كانت تشير إلى تلك المصاديق, فهي ليست بصدد التخصيص بل بصدد التطبيق أي تطبيق الكلي على أفراد, والإمام (ع) كان يشير إلى تلك المصاديق, فالدين الموصل إليه هو دين الحق وين الأنبياء والرسل وهو الإسلام, وصراط الأنبياء والرسل هو الإسلام, وهم الموصلون إليه والدالين والمرشدين إليه, فليس لهم طريق غيره, وإتباع النبي هو كذلك إتباع للإسلام وموصل له سبحانه وتعالى, والمصداق والمراد منه في زمن الأمة المحمدية هم أهل الطهارة والكرامة هم أهل بيت النبي (ص), علي ابن أبي طالب (ع) وأبناؤه الطاهرون المطهرون (ع).


قال تعالى
}إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا{

 

إن الصراط المستقيم مفهوم كلي وهو الطريق والمنهاج الموصل إليه سبحانه وتعالى ويشهد لذلك ما روى عن الإمام الصادق (ع) في قوله: اهدنا الصراط المستقيم. قال (ع): أرشدنا إلى الصراط المستقيم, أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك, والمبلغ دينك, والمانع لنا من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك

 

وأيضا في معاني الأخبار عن المفضل بن عمر قال, سألت أبا عبدالله (ع) عن الصراط, فقال (ع): هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل وهما صراطان, صراط في الدنيا وصراط في الآخرة, فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلّـت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم.

 

إن الإنسان يريد, ويحب, ويهوى, ولكن المولى كذلك له إرادة ومحبة فهو يريدك أن تسير على نهجه وصراطه المستقيم وهو لا يتم إلا بأن تتبعه وتعمل كما يريد ويشاء, لا كما تهوى وتشاء وقصة إبليس وآدم, هي في هذا السياق إذ طلب منه المولى سبحانه السجود لآدم, ولكنه أبى, وقال للمولى: لو تعفيني من ذلك وأسجد لك سجدة لم يسجدها أحد لك من قبل؟ فقال المولى: أريدك أن تطيعني من حيث أريد لا من حيث تريد, إنني أنا الذي أحدد طريق قربي ومحبتي, والطريق الموصل لي بل لا أقبل منك إلا ما حددت وعينت, وهم آل محمد (ص), آل الطهارة والكرامة والنزاهة وأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام هم الصراط المستقيم

 

عن الإمام الرضا (ع): من قال لا إله إلا الله دخل حصني, ومن دخل حصني أمن عذابي. ثم استدرك (ع) وقال: بشرطها وشروطها وأنا من شروطها

 

وفي الزيارة الجامعة (الدالين على مرضاة الله, ... من أراد الله بدء بكم)

 

وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

سماحـة الشـيخ

شبكة البقية

البحث
الكل
الأخبار
المكتبة الصوتية
الصفحات الفرعية
الأكثر قراءةً
الأكثر ردوداً
جديد الأشرطة
الأكثر تحميلاً
الأكثر استماعاً
Alhajar Portal v1.0 alpha © 2006, Licensed to www.albaqeyah.info Page load time: 0.019, 17 Queries