المنهج العملي العرفاني
شبكة البقية الثقافية , 31/07/2011 م
بواسطة : jaffar
المنهج العملي العرفاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين أصطفى محمد وآل محمد
العرفان العملي ، وهو مجموعة من المفاهيم التي تشكل منهجاً عملياً يعبّر عنه بالسير والسلوك العرفاني الذي يتمثل بتطهير الباطن وتصفية السر والتوجه التام للحق تعالى ، والذي يقع في موقع المقدمة لتحصيل العرفان النظري والرؤية الكونية العرفانية .
فالعرفان العملي " هو الذي يتعهد تفسير وبيان مقامات العارفين ودرجات السالكين الى القرب الإلهي بقدم المجاهدة والتصفية والتزكية ، أما الغاية التي يبتغيها العارف في سلوكه فهي الوصول الى مقام أن لايرى في الوجود غيره تعالى " . (1)
والعرفان العملي بتقديمه منهجاً عملياً لتهذيب النفس والسير بها في مدارج الكمال ، فأنه يشابه الأخلاق التي هي الأخرى تقدم منهجاً عملياً ، ولكن يفترق العرفان العملي عن الأخلاق بأن الأول يهدف الى الوصول الى معرفة الحق تعالى وأسمائه وصفاته ، بينما لا يهدف الثاني إلا للتخلص من الرذيلة ونيل الفضيلة الأخلاقية ، التي قد يحدد ضابطتها الدين كما في الأديان السماوية والأرضية ، أو العرف الإجتماعي العام أو الخاص ، ولذلك فالعرفان العملي يكون الإنسان فيه متحركاً تحركاً عمودياً منطلقاً عبر طريق السير والسلوك الى الحق تعالى ، أما في الأخلاق فيكون تحركه أفقياً سابراً أغوار النفس الإنسانية وقواها وغرائزها في طريق التخلي عن الرذيلة وتحصيل الفضيلة .
ولا يفوتنا الإشارة الى أن بعض المناهج الأخلاقية تصلح أن تكون مقدمة للعرفان العملي ، بشرط أن تكون غير متنافية معه في المباديء والطرق ، أما إذا كان المنهج الأخلاقي متنافياً مع منهج العرفان العملي فلا يصلح أن يكون مقدمة له ، كالمنهج الأخلاقي المنطلق من مبدأ عدم الإعتقاد بوجود الله تعالى ، وكذلك المنهج الذي لا يرى جدوى السير والسلوك في تحصيل المعرفة الإلهية ، وماشابه .
والمنهج الذي يتبناه العرفان العملي يتمتع بعدة خصائص :
أحدها : أن المنهج الذي يقدمه العرفان العملي ينطلق من الإعتقاد بوجود الحق تعالى وتوحيده وأنه الذات الجامعة لجميع صفات الكمال ، ومن ثم فهو يسعى لمعرفته والتحقق بكمالاته من خلال المعرفة الشهودية الحضورية ، كما ينطلق من الإعتقاد بالدين وقضاياه الأساسية كإرسال الرسل وبعث الأنبياء والقيامة والحساب .
ومن هنا عرف البعض العرفان من خلال لحاظ علاقته بالمعارف الدينية ، وعلاقته برجال الدين والمتدينيين ، حيث ذكر أن " العرفان هو العلم بأسرار المعارف الدينية ، وهو أرقى من العلم الذي يحصل لعامة المؤمنين ، أو لأهل الظاهر من رجال الدين ، والعرفاني :هو الذي لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية بل يغوص الى باطنها " . (2)
على أن الطرائق العرفانية تختلف في النظرة الى الدين والمعارف الدينية ، بين من يعتبر المنهج العرفاني جزء من المعارف الدينية ، وأن العرفان واحد من العلوم الدينية ، وبين من يرى صلاحية التعاليم الدينية لأن تكون جزءاً من المنهج العرفاني وهو السير والسلوك من دون الإعتقاد بجزئية التعاليم العرفانية للتعاليم الدينية ، وبين من يقلل من شأن التعاليم الدينية ويذهب الى عدم دخالتها في المنهج العرفاني .
والثانية : إن العرفان العملي ينطلق من الإعتقاد بجدوى السير والسلوك في الوصول إلى معرفة الحق تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وسائر كمالاته ، ويؤمن بقدرة الإنسان على تحصيل هذا الكمال والوصول إليه ، وأن التوجه العملي العرفاني هو المنهج الذي يتناسب مع الفطرة الإنسانية ، من حيث أن تحصيل المعرفة العرفانية هي الكمال النهائي الذي خلق الإنسان من أجله ، والمطلوب أن ينال إهتمامه ويكدح لتحقيقه .
على أن قدرة الإنسان على معرفة الحق تعالى ليس المقصود به الإحاطة التامة بالذات الإلهية المقدسة ، فلا قدرة للإنسان المحدود على الإحاطة بالذات الإلهية الغير محدودة ، " وأنه لاينبغي للمرء أن يطمع في الوصول الى كنه حقيقة التوحيد ، ولا أن يمنّي نفسه بنيلها من خلال العبارة الصريحة أو حتى من خلال الإشارة أو التلميح ، إذ كلا هذين الأمرين حجاب في طريق المعرفة الحقيقية ، وحقيقة كهذه .. منزهة عن أن تصل إلى إدراك كنهها العقول ، مقدسة عن أن تظفر بمعرفتها الأفكار " . (3) بل المقصود من قدرة الإنسان على تلك المعرفة هو المعرفة المتقدرة بقدر السعة المعرفية للإنسان العارف ، ويمكن تحديدها بالمعرفة الشهودية التي لايرى العارف فيها أي شيء في الوجود سوى الحق تعالى وأسماءه وصفاته وأفعاله ، والتي تحصل من خلال الفناء في الحق تعالى والبقاء به سبحانه .
والثالثة : يحدد العرفان العملي منهجاً عملياً للسير والسلوك يبدأ مع الإنسان من أفعاله الجسمانية والأفعال الظاهرية بكلا بعديها الفردي والإجتماعي ، مروراً بالحالات والملكات النفسانية والأفكار العقلية ، وإنتهاءاً بالحالات الروحية العالية التي يصل إليها الإنسان بعد تطبيقه للبرنامج الروحي الشاق ، وبذلك يسخّر جميع الأبعاد الإنسانية في ويختزلها في عملية السير والسلوك .
وهذا البرنامج يتضمن مفردات سلوكية لمختلف الحالات التي يمر بها السالك في اثناء السير والسلوك ، ويطلق عليها عادة أسم منازل السالكين بمعنى المواقف والمحطات التي يمر بها السالك ، وقد صنفها تحت عشرة مراحل كل مرحلة تتضمن عشرة منازل فيكون المجموع مئة منزل . (4)
الهوامش
(1) العرفان الشيعي السيد الأستاذ كمال الحيدري ص25
(2) المعجم الفلسفي جميل صليبا ج2 / ص72
(3) العرفان الشيعي السيد الأستاذ كمال الحيدري في معرض نقله لكلام السيد حيدر الآملي ص138
(4) لاحظ منازل السائرين الخواجة عبد الله الأنصاري .