أعوذ بالله من الشيطان الغوي الرجيم وأفضل الصلاة والتسليم على أشرف خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
قال مولانا الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام: (وإن كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد أشقى بعلمه وعمله منك وأضيع عمرا وأشد حسرة يوم القيامة), انتهينا إلى الثمرة أو الجواب الذي طرحنا وهو ما الهدف من اللقاءات والحوارات الفكرية والإحتفالات, انتهينا إلى أن هذه الأمور هي وسيلة للتربية والتعليم والهدف من التربية والتعليم هو أن نكون إلاهيين كما في دعاء يوم الجمعة (اللهم لا تدع للشيطان على عقلي سبيلا).
الشيطان قد يتصرف لأنه عنده وسوسه, القلب حرم الله فلا تجعل في حرم الله غير الله, وكما يقول الفلاسفة وعلماء العقيدة عندما تنتهي الغاية إلى الله نقف, فلا بعد الله غاية, الإمام الحسين عليه السلام يقول (إن الله خلق الخلق ليعرفوه, وإذا عرفوه عبدوه وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة سواه) فكل دعوة وندوة وحوار لا تحقق هذا الهدف فهي لغو وعبث في نظر أهل البيت سلام الله عليهم, والمشكلة مع الشيطان هي أنه يأتينا من المباحات لا يأتي من المحرمات, فالشيطان يعرفنا ونحن لا نعرفه, وهو من موانع الوصول إلى الله سبحانه وتعالى, الشيطان يحاول أن يمنع العمل من تأخير للصلاة والخمس وغيرها, وإذا لم يقدر أن يمنع العمل يبطل العمل, فالتجمع والإحتفالات قد يبطلها الشيطان بأن تصبح غير نافعة, والإنحراف في المجتمع والإنحدار في الإيمان أين موقعها من الندوات والحوارات والمحاضرات وحتى الحوزات, أين آثارها في الأرض والمجتمع, وهل المآتم الحسينية تقوم بدور التربية والتوعية, وكل شيء قائم على التعليم والتوعية, وأهل البيت عليهم السلام تكلموا عن هذه المسألة, وبعبارة أدق كيف نجعل من هذه المجالس صانعة للإنسان إنساناَ مؤمناً تقياً ورعاً وصالحاً؟ وهذا هو المطلوب, وما السبب في عدم التأثر من حضور هذه المجالس؟ هل السبب العالم أم الموضوع أم المستمع هو السبب؟ وهناك روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام تكلمت عن هذه العلاقة, أي العلاقة بين العالم والمتعلم, هناك خصائص وصفات للعالم وخصائص وصفات للمتعلم, والروايات تعلمنا كيف نجعل من هذه العلاقة مثمرة وناجحة وهناك كتب كثيرة في هذا المضمار.
ومن أهم الكتب هو كتاب (منية المريد في بغية المستفيد) للشهيد الثاني قدس سره, ويقسم في هذا الكتاب آداب للعالم وآداب للمتعلم وهناك آداب مشتركة للعالم والمتعلم, مثلاً: آداب المتعلم يقسمها إلى ثلاثة أقسام, آداب المتعلم مع نفسه ويذكر ثمانية ومن ضمنها حسن النية, (وعلى نياتكم ترزقون), ومن ضمنها الحرص على التعلم ومنها ترك ما يُشغل عن العلم, وبعد ذلك يذكر آدابه مع العالم وشيخه ويذكر أربعون أدباً مثلاً: الاحترام له, البدء بالسلام له حتى لو كان هناك من هو أكبر منه في العلم, ومن الآداب أن لا تجادل في مجلسه, وبعد ذلك يذكر الآداب في الدرس ويذكر ثلاثون أدباً إذا مجموع آداب المتعلم 78 أدباً, على المتعلم أن يراعيها لكي يكون الدرس والبحث منتجاً. يقول الإمام الصادق عليه السلام (الناس اثنان عالمٌ ومتعلم وسائر الناس همج والهمج في النار).
إذن من لا يتعلم لا يكون عالماً, ويوجد رواية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله يقول (العلم خزائن ومفاتيحه السؤال فسألوا رحمكم الله فإنه يؤجر أربعة: السائل والمتكلم والمستمع والمحب لهما), وللاستفادة أكثر يجدر التأمل في قصة الخضر وموسى عليه السلام, وأن موسى سافر مسافات طويلة ليتعلم من الخضر عليه السلام, (فوجد عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما, قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمنِ مما عُلمت رشداً) يقول الإمام الخميني قدس الله روحة الزكية أن في هذه الآية آداب عظيمة جداً بين العالم والمتعلم, وفي الآية الكريمة ترى النبي موسى عليه السلام يتواضع للخضر عليه السلام في ذلك الزمان نبي الله موسى عليه السلام كان الولي الأعظم والكون كله تحت ولايته, وبكل أدب يسأل النبي الخضر عليه السلام (هل أتبعك على أن تعلمنِ مما عُلمت رشدا), أين هذه الروحية في مجتمعنا من تواضع في السؤال, النبي موسى عليه السلام لماذا قال علمني مما عُلمت؟ قال ذلك ليخبر الخضر عليه السلام أنه أرفع منه مقاماً وعلماً أنا لا طاقة لي بعلمك ياخضر, لم يتكبر موسى عليه السلام كونه نبيا وأفضل خلق الله في ذلك الزمان, يقول الإمام علي عليه السلام (الكبر مصيدة الشيطان العظمى والشهوات مصيدته الكبرى), كم من المجتمع عاش ومات جاهلاً يحسب نفسه عالماً, ومن يريد أن يتعلم يجب أن يتواضع قلبه قبل جسده, وإذا لا تتواضع لا يصيرك الله عالماً وبحسب تواضع الإنسان يفاض عليه من العلم, وهنا يجدر الإشارة إلى الإنتباه والتفريق بين الكبر والعزة, وهناك من قال لأمير المؤمنين عليه السلام إنك لمغرور فقال الإمام (إن هي لعزة وليس تكبراً), المؤمن عزيز الجانب. وأنت إذا كنت تريد معرفة هل أنت عالم حقيقي انظر لقلبك هل به كبر؟ إذا كان هناك كِبـَر فأنت لست بعالم.
فعلينا الانتباه في حركاتنا وسكناتنا, بعض الأحيان تصدر منا إهانات لعالِم أهل البيت عليهم السلام, ويقول الإمام عليه السلام (قصم ظهري اثنان: رجل عليم اللسان) هناك معرفة لسانية ومعرفة قلبية ومعرفة عقلية (العلم علمان مسموع ومطبوع ولا ينفع مسموع بلا مطبوع) المسموع لا قيمة له وكذلك العالم اللساني, فهو مثل الببغاوات, يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله (ربّ حامل فقهٍ ليس بفقيه), والإنسان إذا ابتعد عن العلماء صار معلمه الشيطان, (أعدى عدويك نفسك التي بين جنبيك), التعلم فيه ذله والإنسان أكره شيء عنده الذلة, يقول الإمام علي عليه السلام (من لم يتعلم بقي في ذل الجهل طول عمره).
وجود العالِم نعمة وبركة وفي دعاء أبي حمزة الثمالي الذي هو أعظم دعاء صدر عن أهل البيت عليهم السلام (ولعلك افتقدتني من مجالس العلماء فخذلتني), فحضور مجالس الذكر له أثر تكويني وهو النصرة الإلهية, والتأييد الإلهي والتسديد, فالخذلان عقوبة مقاطعة مجالس العلماء, ولا يمكن عمل شيء بدون التأييد والتسديد الإلهي, ولا يرفض هذه النعم إلا أحمق, وأنت تستطيع أن تعرف الإنسان من مبرراته, مقاطعة المجالس الإلهيه يحزن أهل البيت عليهم السلام ويحز في قلب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه, (يا أبا ذر ينبغي أن يكون العاقل أن يكون عارفاً بزمانه), الإمام الحجة يريد عقولاً كبار وليس عقولاً يذهب ويأتي بكلمات من الرجال.
المحاضرة القادمة إنشاء الله سنتكلم عن أربعة أمور نحن مبتلون بها في مجالسنا ومجتمعنا.