اعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأفضل الصلاة على أشرف خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
عن الإمام الصادق عليه السلام: (وإن كنت راضياً بما أنت فيه فلا أحد أشقى بعلمه وعمله منك وأضيع عمرا وأشد حسرةً يوم القيامة)
قلنا أن هناك قسمان من المجتمعات البشرية مجتمع إلهي ومجتمع غير إلهي, وإن التقسيم المشهور وهو تقسيم المجتمع إلى متدين وغير متدين, هو تقسيما ليس صحيحا حتى عن علماء الإجتماع لأن التدين أمر فطري كل مجتمع في العالم له دين فالصحيح هو عندنا مجتمع إلهي ومجتمع غير إلهي. وكذلك عندنا رجل إلهي ورجل غير إلهي, وكذلك ليس من الصحيح أن يقال عندنا رجل متدين ورجل غير متدين, وهذه تعبيرات ليست علمية بل سوقية وعرفية ولكنها بالدقة العلمية والعقلية تقتضي بطلان هذه التعبيرات.
وقلنا أن المجتمع الإلهي هو الذي يجعل كل العلاقات أساسها هو العلاقة مع الله سبحانه وتعالى, عندنا علاقة مع الإنسان وعلاقة مع الدنيا وعلاقة مع نفسك وأخيراً عندنا علاقة مع ربنا فالمجتمع الإلهي هو الذي يجعل أساس تلك العلاقات هو العلاقة بالله سبحانه وتعالى, العلاقة الإلهية هي التي تتحكم في تلك العلاقات, وأيضاً علاقتك مع الدنيا بما فيها من ثروات وخيرات تتحكم فيها العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. وفي المقابل المجتمع الذي لا يخضع تلك العلاقات للعلاقة مع الله سبحانه وتعالى يسمى مجتمعاً مادياً.
لا يكفي أن نقول أننا نحن مسلمون مثلاً وقد أبعدنا الله سبحانه وتعالى عن جميع شؤوننا, نصلي والصلاة لا علاقة لها بحياتنا الدنيا إذن لماذا تصلي يومياً؟ لأنك تريد أن تكون علاقة مع الله سبحانه وتعالى لكن ما هو مردود هذه العلاقة وما مردودها على تفكيرك وإنتمائاتك وعلاقاتك وقبولك ورفضك للأفطار وللقضايا والمشاكل الموجوده, فإذا كان الله لا علاقة له بواقعنا المعاش فنحن لسنا إلاهيين ولسنا ربانيين كما في الرواية الشريفة.
وأيضاً قلنا أن أول خصوصية للمجتمع الإلهي هو القائد الإلهي والقائد الرباني بل لا يمكن أن تكون مجتمعاً إلاهيّاً بدون قائداً إلاهيّاً لأن هناك إرادة إلاهية وإرادة بشرية, إذا توافقت الإرادة البشرية وتناغمت مع الإرادة الإلهية كنت إلاهيّاً وكان ذاك المجتمع مجتمعاً إلاهيّاً, المجتمع الإلهي هو الذي يقول ماذا يريد الله منا ولا يقول ماذا أريد أنا؟ لذلك جاءت الرسالات الإلهية وكل الأنبياء جاؤوا لإنقاذ البشرية, والأنبياء انتصروا حتى النبي محمد صلى الله عليه وآله, فالنبي محمد انتصر على كل الأصنام إلا صنمٌ واحد وهو صنم النفس والأنا, لأن الإنسان يريد الإنسان عنده رغبات وإرادات وأهواء وهؤلاء الذي تحدوا الإرادة الإلهية هم الذين خاطبهم القرآن الكريم في قوله (أفإن مات أو قتل إنقلبتم على اعقابكم), هؤلاء لم يكونوا يريدون أن تخضع إرادتهم للإرادة الإلهية, ففي بداية البعثة قد سأل بعضهم النبي صلى الله عليه وآله الأمر من بعدك لمن؟ قال لهم الأمر لله هو من يقرر, الله سبحانه هو الذي يختار, فالقائد الإلهي هو الذي يأتي بالنص وبتعيين من الله سبحانه وتعالى وسيأتي لماذا التعيين بالنص.
نحن نقول في زيارة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في زيارة آل ياسين (السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته), إذن هناك إرادة بشرية وإرادة تشريعية فأنت تريد والشارع المقدس يريد وهذه الأوامر الإلهية من صلاة وصوم وحج وغيرها, فهل عقلك يقبل أن تطوف خلف حجارة لو لم تكن أمراً إلاهياً؟ كل فلسفة العبادات هي من أجل أن تسلم لله سبحانه وتعالى أمرك, في الحديث القدسي (ياعبدي أنت تريد وأنا أريد ثم لا يكون إلا ما أريد), فهنا إرادة تشريعية من أوامر وتعاليم أتت من قبل الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين, كلها من أجل بيان ما يريد الله منا, وحتى لا تتعارض وتتصادم ويكون هناك تضاد بين إرادة البشر وإرادة الله سبحانه وتعالى, فالله سبحانه وتعالى يريد أن يحقق الهدف من هذا الكون, فهل أنت أيّها الإنسان تسير نحو الهدف الإلهي أو تسير في الطريق المضاد للطريق الإلهي, ولذلك رفض القيادة الإلهية ورفض قيادة المعصوم هي شركٌ بالله سبحانه وتعالى والراد عليه في حد الشرك لأن في المفاهيم القرآنية كل معصية شرك, (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون), وهي شرك لأنك أشركت مع الله أحد آخر تطيعه فعندك شرك في الطاعة, وحتى لو تحدى الإنسان الإرادة الإلهية لن يكون إلا ما يريد الله سبحانه وهذا أحد فلسفة القائد الموعود للبشرية وإن انتصاره حتميٌ, وفي آخرها سيقتل الشيطان الأعظم لعنة الله عليه ومصيره الهزيمة وهي مصير كل من تحدى الإرادة الإلهية.
هذا معنى فلسفة الإنتظار, فانتظارنا يعني أن هناك صولة للحق, يعني بالأخير لن يكون إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى مهما ما عمله الإنسان.
فإذاً, الخصوصية الأساسية التي هي حسنة لا تضر معها سيئة, تلبسك بعنوان الإيمان متوقف على الولاية لأنك إن لم تتبع القائد الإلهي سواءاً في عصر الحضور أو عصر الغيبة وهو الآن المتمثل بالمرجعية لن تستطيع أن تصلي بطريقة صحيح أو أن تصوم بطريقة صحيحة أو أن تحج بطريقة صحيحة, ولا أن تعمل أي شي بطريقة صحيحة, حتى تكون إلاهيا تحتاج للمعرفة الإلهية ولا بد أن يكون هناك مصدر لهذه الإرادة الإلهية وهو الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف, فكون المجتمع الشيعي يرجع للمراجع هو من أجل أن يعلمك كيف تصلي كيف تصوم. فأنت ترجع له لأن إمامك قال لك بأن ترجع له, ولا تعصيه (أي المرجع) لأن إمامك قال لك أنك إذا عصيته فأنت تعصيني أنا, وهذه هي مهمة الرسالات, ولذلك الإمام الشهيد الصدر قدس الله نفسه الزكية عندما انتصر الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية قال: (لقد حقق حلم الأنبياء), (ولقد أرسلنا في كل أمة رسول أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).
تكوين المجتمع الإلهي متوقف على المعرفة الإلهية, فتأتي قضية التربية والتعليم والتزكية, وهناك سؤال يجب الإجابة عليه وهو لماذا تكون الخلافة بالنص؟ حتى في عصر الغيبة لم يترك للناس إختيار المرجعية, وبعبارة البعض للأسف يقول أقرأ الرسالة العملية وقلده كيف يكون ذلك؟ هل سيكون البشر والعامة هم من يحددون فلان مرجع وفلان ليس بمرجع؟ الإمام علي عليه السلام يقول (العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً من قبل, والجاهل لا يعرف العالم لأنه ليس عالماً), حتى لو عرفته بآثاره من خلال الكتب لكن لا يمكنك معرفته معرفة كاملة, فتشخيص المرجعية هم أنفسهم يختارون من بينهم من هو الأكفأ, كما يقو ل الإمام علي سلام الله عليه ويضع ضابطة هي ضابطة عالمية وليست ضابطة شيعية فقط (إن أولى الناس بهذا الأمر أعلمهم به وأقدرهم عليه), قد تكون عالما فطحلاً لكن ليس عندك القدرة, وخير شاهد على ذلك هم المراجع الكبار السيدان العليان لم يطرحا نفسيهما للمرجعية جائتهما المرجعية وهما جالسان في البيت, وهذه هي سر وفلسفة المرجعية أنت تذهب للعالم بالإرادة الإلهية وماذا يريد الله منك, وهو ليحدد لك المسار والطريق الموصل لإرادة الله سبحانه, والموصل لما يريد ويحب الله.
في زيارة عاشوراء (الحمد لله الذي أكرمني بمعرفتكم ومعرفة أوليائكم), ببركة الأولياء وعلماء أهل البيت أنت تصل لأهل البيت عليهم السلام, والتخبطات الموجودة في مجتمعنا وما أكثرها كلها بسبب تهميش علماء أهل البيت عليهم السلام وإقصائهم عن دورهم الواجب عليهم أن يؤدوه, إذا أردنا أن نطور المجتمع وأن نحارب الفساد في المجتمع وأن نقوي الإيمان في هذا المجتمع نحتاج للتأييد والتسديد من الحجة عجل الله فرجه الشريف, وإلا نحن لا نستطيع أن نواجه شياطين الإنس والجن, شياطين الإنس والجن سيطروا على كل مقدرات الكرة الأرضية, مثلاً في لبنان في عام السبعين الشيعة كانوا لا قيمة لهم فمنهم القومي والبعثي والشيوعي والناصري كانوا في تشتت, السؤال هنا ما منشأ هذه الذلة؟ السبب هو الإبتعاد عن نهج أهل البيت سلام الله عليهم, والخطوة الأولى للإرتباط بأهل البيت سلام الله عليهم هي الإرتباط بعلمائهم, فعندما ارتبط شيعة لبنان بعلماء أهل البيت عليهم السلام ماذا أصبحوا؟ أصبحوا أعز طائفة في لبنان, وهذه التخبطاط والإنحدار الديني في مجتمعنا هذه أحد الأجوبة لها.
ولكن دائما يكون هناك أهواء تريد أن يكون لها رأي في قبال رأي وإرادة أهل البيت عليهم السلام, الإمام علي عليه السلام يقول (لا رأي في الدين), والشطب والإلغاء سهل يكفي أن تقول أن فلان ( لا يفهم), فلان ليس بعالم, القضية ليس في الشطب والإلغاء بل أنت أين ذاهب بالمجتمع؟ ومصير كل من حارب وسقط علماء أهل البيت مصيره مع الشياطين بأشكالهم, فليس لديك خيار فأنت عندما تترك ولي الله أين تذهب؟ بطبيعة الحال بعد ذلك ليس لك إلا هواك وبعد ذلك اما تكون شيطان أو تكون ممن يوالي الشياطين.
أهل البيت عليهم السلام والله سبحانه وضعوا وصفة إلهية للمجتمعات وهي الإرتباط بأهل البيت عليهم السلام والعلماء الربانيين.
فإذا جاء لنا عالم يحدثنا بما نحب ونهوى قمنا نصفق له وإذا تكلم بحسب ما يريد الله ويتضارب مع أهوائنا نرفض ونحارب هذا العالم, فالنقطة الأولى للتغيير الإجتماعي والتطوير الإجتماعي علينا أن نعرف مع من نضع أيدينا, المجتمع كله قدرات وطاقات وعقول هل نحن نوظفها لأنفسنا؟ أم نوظفها لأجل مجتمعنا؟
يقول الإمام علي عليه السلام (أيها الناس المجتمعة أبدانها المتفرقة قلوبها) وهذا الأهواء والقلوب لا يجمعها إلا القائد الإلهي, ويقول الإمام علي عليه السلام أيضاً (أنا لست كأحدكم, أنتم تريدوني لأنفسكم وأنا أريدكم لله) وهذا هو هدف علماء أهل البيت عليهم السلام. فعالم أهل البيت لا يريدون منكم لا جزاءا ولا شكورا العالم الحقيقي هو الذي يريد أن يوصلكم لله سبحانه وتعالى ويوصلكم إلى رضاه, فالسر في أنه يجب أن يكون القائد إلاهياً هو أن يوصلك لله, ولأن الإنسان الإلهي لا يوجد في قلبه غير الله سبحانه وتعالى, الإنسان الإلهي خارج من ذاته لا يوجد عنده هدف شخصي ومصلحة شخصية, فهدفه هو الوصول إلى الله سبحانه وتعالى, الإمام الباقر عليه السلام يقول (إن أعظم الناس قدرا من لم يرى الدنيا له قدرا), وهذا المقام ليس كل من درسه ناله وليس كل من طلبه وصل إليه, فالقائد يجب أن يكون إلاهياً لكي يوظف قدراته كلها العلمية وغيرها من أجل إيصال البشرية إلى سعادتها, ولكي يرشد الناس ويهديهم, أما إذا كان صاحب مصالح شخصية فإنه سيوظف المجتمع كله من أجل هذه المصالح, الإمام الجواد عليه السلام يقول (هناك أناس يقتلون من أجل أن يهتدي الآخرون), ونحن يجب علينا أن لا نقيس أنفسنا بعلماء أهل البيت عليهم السلام, ولا نجعل تكليفنا تكليف علماء أهل البيت عليهم السلام, فتكليف العامي ليس كتكليف العلماء وطلبة العلم.
فلما لا يكون اختيار القائد الإلهي للبشر؟ حتى المرجعية لا يحق لنا إختيارها نحن البشر لماذا؟ لأن تعيين القيادة من الأعلى أي من الله سبحانه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله إلى الإمام عليه السلام إلى المرجع, وليس من الأسفل, الناس تختار المرجعية والقيادة الإلهية!
وهناك أسباب عدة وأهم الأسباب هي أن البشر لا يعلمون جواهر الأشياء, نحن البشر ضعيفين لا يمكننا معرفة جواهر الأشياء, (الرجال معادن) فضة وذهب وحديد! ونحن لا نعرف المعادن إلا من ظواهرها, ومن السهل على الإنسان أن يجعل ظاهره شيء وباطنه شيء آخر, فالإنسان ضعيف في معرفة جواهر الأشياء لذلك القرآن يقول (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم, وعسى أن تكرهوا شيئا وهم خير لكم), أي أنتم البشر عاجزون عن معرفة جواهر الأشياء, وكذلك يقول القرآن الكريم (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا), أي أنتم أيها البشر حتى عاجزون عن التشخيص بين أبيك وأبنك, ومن هذا عجزه لا يمكن أن يحدد قيادة إلاهية, القرآن يقول (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله), فالإنسان ينبهر بالظواهر, (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام), هذه معاييرنا الفصاحة والهندام والأسرة الغنية.
النتيجة: الهدف الإلهي تكوين إنسان ومجتمع إلاهي, ولا يمكن تحقيقه إلا عبر التعليم والتربية, فالإحتفالات والندوات والتجمعات من محاضرات يوم جمعة وصلاة جمعة, كلها تعليم وتربية ومعرفة ما هي نواقصك وما هي عيوبك وما هي الأشياء التي تمنعك من الوصل إلى الله عز وجل, لا يمكن أن تكون إلاهياً بلا تربية وتعليم, وكما يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله (العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان), الإمام علي عليه السلام يقول (بالعلم يطاع الله ويعبد), وليس الهدف فقط من هذه الإحتفالات هو فقط للفرح والتذرع بالرواية التي تقول (رحم الله من أحيا أمرنا) ولما ترك الجزء الآخر من الروية وهو عن الإمام الرضا عليه السلام عندما سئل كيف نحيي أمركم قال: (علموا الناس محاسن كلامنا فإذا علم الناس محاسن الناس إتبعونا), وجعل هذه المناسبات للفرح والترف هذا لا يرضي أهل البيت عليهم السلام, فالتعليم والتربية هي هدف العلماء الإلهيين يقول الإمام الحسين يقول عندما سأله أحدهم ما الهدف من الخلق قال: (إن الله خلق الخلق ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه). والإمام الرضا عليه السلام يقول: (ضاعت على المؤمن مؤونة الدنيا والآخرة, اشتدت مؤونة الدنيا على المؤمن لأنه لا يمد يده إلا ويجد فاجراً قد وجد فاجراً قد سبقه إليها, واشتدت مؤونة الآخرة على المؤمن لأنك لا تجد عليها معيناً).