تفسير سورة الفاتحة - تكملة الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
فإذا قلنا بأن لفظ الجلالة اسم جنس فهو مفهوم ينطبق على كثيرين ولذلك نحتاج إلى إثبات الوحدة إلى دليل وبرهان أما إذا كان علماً فهو مفهوم جزئي فلا ينطبق إلا على مصداق واحد.
فلا نحتاج إلى دليل وبرهان لإثبات الوحدة والتوحيد وأنه سبحانه واحد, هذه ثمرة أولى, وهناك ثمرة أخرى وهي إذا كان لفظ الجلالة اسم جنس ومفهوم كلي فيلزم أن تكون هذه الماهية والحقيقة لها القابلية أن يتصف بها وجود آخر أي تكررها ليس مستحيلاً إذ المفهوم الكلي ماله القابلية أن ينطبق على كثيرين. لما إذا كان علماً فهو جزئي فهذه القابلية منتفية فتكون الماهية والحقيقة غير قابلة للتكرار والمثلية. وهو منطبق على قوله تعالى: ( ليس كمثله شيء )
إذا الصحيح هو القول الثاني أي أن لفظ الجلالة (الله) علم شخص كزيد ومحمد وعلي و.... فهو اسم خاص به سبحانه وتعالى فلا يجوز أن نطلقه إلا على الخالق سبحانه وتعالى ويدل على ذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: (فلسفة) إذا كان لفظ الجلالة كلياً يلزم منه التركيب في الذات الإلهية والتالي باطل إذ هو بسيط كما ثبت في محله فالمقدم مثله.
بيان ذلك: إن لفظ الجلالة لو كان مفهوماً كلياً يستلزم منه كون الذات الإلهية مركبة لأن المفاهيم الكلية، مصاديقها تحتاج إلى جهتين:
1- حالة الامتياز 2- حالة الاشتراك
فلفظ حيوان مثلاً ينطبق على الإنسان، الحصان، وبقر وأسد وأنواع متعددة. فهذا المفهوم له جهة اشتراك تؤهله أن ينطبق على جميع الأنواع والمصاديق المختلفة وهي الحيوانية (الجنس). ولكن حتى نميز نوع عن آخر، وحتى نميز الإنسان عن الإسد، والحصان عن البقر, نحتاج إلى جهة امتياز وهي الفصل أو حالة الامتياز.
مثال آخر: الإنسان مفهوم كلي ينطبق على زيد ومحمد وعلي وهدى ومريم و........ فهذه بينها جهة اشتراك وهي الإنسانية وجهة امتياز وهي الخصوصية التي يمتاز أحدها عن الآخرين.
الخلاصة: الفلاسفة والمناطقة يقولون إذا كان عندنا مفهوم كلي ينطبق على عدة أفراد لابد أن يكون عندنا جهتان:
1- جهة اشتراك (حالة الإشتراك) وهي المصححة لانطباقه على الجميع.
2- جهة امتياز (حالة الامتياز) وهي المصححة للتغاير والتعدد.
إذا قلنا بأن لفظ الجلالة مفهوم كلي يستلزم منه كون الذات الإلهية مركبة من جهة اشتراك وامتياز وهذا باطل. إذاً ليس كلياً بل هو علم شخصي.
الوجه الثاني: "أدبي" عندنا موضوع ومحمول، وصفه وموصوف كزيد عالم، محمد كاتب. فزيد موصوف وموضوع وكاتب صفه ومحمول(مقدمة) يقولون: إن الكلي لا يقع إلا صفة ومحمولاً فنقول: زيد حيوان وإنسان. فلو كان لفظ الجلالة كلياً لما وقع إلا صفة ومحمولاً دائماً، والتالي باطل إذ تقول: الله عالم، قادر، خالق و.....الخ فالمقدم مثله. إذاً هو علم لا كلي.
إذا لفظ الجلالة يوصف بجميع الأسماء الحسنى وسائر الأفعال المأخوذة من غير عكس فتقول: الله رحيم، عالم، غفور، رحيم، خالق، رازق،........ ولا يصح العكس: الخالق الله، والرازق الله، الرحيم الله،........ إذاً لفظ الجلالة دائماً موضوع وموصوف فلا ينطبق عليه خصوصية الكلي إذاً هو علم.
الوجه الثالث: كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)
بيان ذلك: لو كان لفظ الجلالة كلياً لما صحت الشهادة وكلمة التوحيد إذ كلمة إله تشمل جميع الآلهة (هبل،واللات،والعزى و.......)؟. فلو كانت لفظ الجلالة مفهوماً كلياً لما أخرجنا شيئاً بينما القصد منها هو إخراج وسلب الإلوهية عن جميع الآلهة و إثباتها لله سبحانه وتعالى وهو يتناسب مع كونه علماً ويشهد لذلك اعتراض المشركين على الكلمة وعدم قبولها إذ هي تسلب الإلوهية عن آلهتهم وتحصرها في المولى سبحانه لاعتقادهم تعدد الآلهة. والكلمة تحصرها في إله واحد وهو (الله) سبحانه، فهم يؤمنون بألوهية (الله) ولكن لا يؤمنون بالتوحيد ووحدة الإله والكلمة رفع لهذا الزعم والاعتقاد لذلك قال تعالى:(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)
الخلاصة: لو كان لفظ الجلالة مفهوماً كلياً لما أفادت كلمة التوحيد التوحيد.
فائدة: وهي على ما سبق وهي جواب لسؤال:- هل لفظ الجلالة مشتق أم بسيط؟
ذهب البعض إلى أنه مشتق واختلفوا في منشأ اشتقاقه فذهب البعض إلى أنه مشتق من الإلوهية أي العبادة. وقول ثانٍ أنه مشتق من الوله أي التحير كما ورد في الأثر: حارت في كهنه العقول، وثالث من لاه بمعنى احتجب، وهنا أقوال أُخر لا داعي إلى ذكرها إذ اتضح إنه علم فهو بسيط لا مشتق وهو جامد لا مشتق لأنه علم شخص كما ذهب إلى ذلك تلميذ الإمام الصادق (ع) اللغوي المعروف الخليل الفراهيدي عليه الرحمة، ويدل ويستشهد لذلك الحديث الصحيح (عن موسى بن جعفر عليه السلام: أنه سأل عن معنى الله تعالى, فقال (ع): استولى على مادق وجل). فالحديث ظاهر في أن لفظ الجلالة غير مشتق من اله أو غيره بل هو اسم جامد بسيط بمعنى القيومة المطلقة على ما سواه.
فلذلك يتبادر إلى الذهن سؤالان مهمان إذ بهما يكمل البحث وهما:
السؤال الأول: من الذي وضع هذا اللفظ؟ من الذي وضع هذا الاسم على الذات الإلهية؟
إن الواضع هو الله سبحانه وتعالى كما ذهب إلى ذلك الخليل الفراهيدي عليه الرحمة، بل جميع أسمائه سبحانه وتعالى عرفت بتعليمه سبحانه وتعالى عن طريق أنبيائه ورسله وأوصيائه(ع)، فهو سبحانه المعرِّف والمعرَّف ويشهد لذلك ماورد عن الإمام الصادق عليه السلام:- اعرفوا الله بالله.ومن حديث آخر عنه أيضاً:- (لولا نحن لما عرفتموه، ولولا هو ما عرفناه)
السؤال الثاني: ماهو معنى لفظ الجلالة (الله)؟
هو الاسم الوحيد الجامع لجميع الصفات والكمالات الإلهية أي صفات الجمال والجلال ولذلك تكون جميع الأسماء الواقعة بعده صفات كالله رحيم غفور ودود،خالق و...... الخ . وأيضاً لذلك في قولنا (لا آله إلا الله) لا يجزى عنه اسم آخر. فمثلاً لو قلنا لا إله إلا القادر لا تغني عن لفظ الجلالة ولا يتم المعنى المراد وهو الوحدانية.
يقول الولي الصالح والفيلسوف الكبير ملا صدرا (قده) في تفسيره:( اسم الله عند أكابر العرفاء عبارة عن مرتبة الإلوهية الجامعة لجميع الشؤون والاعتبارات والنعوت، والكمالات المندرجة فيها جميع الأسماء والصفات التي ليست إلا لمعان نوره وشؤون ذاته، وهي أول وقعة في الوجود)). تفسير ملا صدرا ج / ص 28