Bookmark and Share 

تحكم الأعضاء
أوقات الصلاة
الصبح 5:00
الشروق 6:21
الظهرين 11:56
العشائين 5:41
14/03/1433
07-02-2012 م
القائمة البريدية
للإشتراك في قائمة مراسلات الموقع





أين نحن في قضايانا؟ تيهُ فكرٍ أم تجميلُ ذات!!
الخواطر , 19/09/2007 م
بواسطة : المشرف العام

أين نحن في قضايانا؟ تيهُ فكرٍ أم تجميلُ ذات!!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بســم الله الرحمن الرحيم

أمير المؤمنين (ع) يقول: لا خير في أخ لا يوجب لك مثل الذي يوجب لنفسه

 1- إن الناس المتواجدين على ظهر هذا الموكب يعيشون في كيانات ووجودات جماعية يجمعها عوامل مختلفة كالعـِرْق واللغة والدين والجغرافيا وبفضل ذلك يتكون من المفردات وجوداً جديداً هو الأمة والمجتمع ويعبر عنها بالألسن بتعبير واضح حالٍ لحالة الجمع والإيمان به وهي "أننا" التي تفيد أن هناك وجود جمعي له وحده المصير والهدف والمصالح, وهذا له أشكال متعددة:

1-      المجتمع الكبير: كالمجتمع العربي, والمجتمع الإسلامي, والمجتمع الهندي, والصيني والأمريكي, بل نتوسع أكثر فنقول: المجتمع الأوروبي والآسيوي والغربي والشرقي وهكذا. ومما لا شك فيه أن ملاك الوحدة مختلف فتارة العرق وأخرى الجغرافيا وثالثة الدين وهكذا يختلف المنشأ والعلة الإيجادية كما هو أيضا في الأشكال الأخرى.

2-      المجتمع الصغير: كالمجتمع اللبناني والإيراني والسعودي والمغربي, وهكذا

3-  المجتمع الأصغر: وهو بتنوعه وتعدده يتشكل المجتمع الصغير ففي المجتمع العراقي نجد المجتمع العربي والكردي, وفي إيران نجد المجتمع الفارسي والعربي والكردي (عرقي), وفي المجتمع السعودي نجد المجتمعات الصغيرة تشكل وبمجموعها يتحقق الصغير حيث نجد المجتمع القطيفي والأحسائي والحجازي , هكذا (جغرافي) وإن كان هناك تقسيم آخر بملاك آخر.

 إن هذه المجتمعات – الكبير والصغير والأصغر – تتداخل كتداخل الدوائر الثلاث كما تتداخل الأسر والقبائل والعشائر بتنوعها وتعددها وتمايزها في دائرة واحده فتكون وجوداً وكياناً واحداً هم المجتمع الصغير الذي يتشاركون فيه السماء والأرض والثروات والمصير والمصالح والمضار والهموم, مع أن لكل دائرة خصوصياتها وعاداتها وتقاليدها بل حتى معتقداتها وشخصيتها وكيانها الذي لم يكن التداخل والتكوين للمجتمع سبباً ومبرراً لصهر ومحو تلك الشخصية للمجتمع الأصغر وإلا لرفــَض الجميع ذلك المجتمع الصغير وحاربوه. وكذلك الحال في المجتمع الكبير إذ هو يتكون من مجموعة من المجتمعات الصغيرة – بالقياس للكبير – بأحد العوامل السابقة.

هذه هي حقيقة المجتمع والمجتمعات والأمة والأمم في واقعنا المعاش بعيداً عن الجدل والخلاف الفكري والعلمي في المراد من الأمة والمتجمع, فالكلام في الحقيقة الخارجية لا المفاهيم والتصورات التي تضيع بكثرة الجدل والأخذ الرد.

إن هذه المجتمعات بأشكالها المختلفة متداخلة ومتوافقة من جهة, ومتنوعة ومتعددة من جهة أخرى أو قل هي وجودات بينها جهات اشتراك – الأرض والثروة والمصير.. وبينها جهات امتياز – قد يكون العرق والدين والعادات والتقاليد والجغرافيا – فكانت الجهة الأولى سبباً إيجاد وخلق الواحد بأشكاله, مع تنوع العلة الإيجادية من عرق أو جغرافيا أو.., كما أن جهة التمايز هي الموجبة للتعدُد والتنوع والتشخيص بين مجتمع وآخر بأشكاله.

إن حصل الطغيان والتعالي لجهات الإمتياز على جهات الإشتراك حصل الإنفصام والإنفصال, فتعددت المجتمعات وتنوعت. وإن حصل الوئام والوفاق على جهات الإشتراك وقويت تكون المجتمع الواحد سواء كان مجتمعا كبيرا أو صغيرا.

ولكن مما لا ينبغي أن لا يغفل عنه بأن حالة التوازن والإتزان بين الجهتين ينتج عنه الوئام والتقارب والإنسجام مع وجود التنوع العقائدي أو العرقي أو الجغرافي, فلو حاول أحد المكونات للمجتمع الصغير أن يتعالى ويفرض عقيدته أو لغته أو بالقهر والغلبة فإن مصير ذلك المجتمع الواحد هو التفكك إذ المجتمعات الأخرى لن تقبل بصهر شخصيتها ووجودها في ذات الآخر بل ستعتبر ذلك حرباً عليها وعدواناُ على حقوقها وكرامتها ومصالحها فيكون مصير ذلك المجتمع الواحد هو الفتن والإقتتال ومن ثم التفكك وعلى أحسن التقادير الفدرالية كما حصل في يوغوسلافيا – كمثال معاصر – التي يوجد فيها التنوع العرقي والديني, فتفككت عندما أراد الصرب إصهار ومحو المجتمعات الأخرى, بينما لم يحصل ذلك في دولة أقدم منها وجوداً وهي الهند مع وجود التنوع الديني والجغرافي, وليس ذلك إلى التصرف والسلوك المتوازن والمتزن والتوافقي بين جهات الإشتراك والإمتياز, فإن هذا التوافق يوجد حالة الطمأنينة بأن شخصية المجتمع الأصغر وخصوصياته محفوظة ولا تتعارض مع المجتمع الصغير فلا تضارب ولا تعارض بين المجتمع الأصغر والصغير بسبب حالة التوافق والإنسجام بين جهات الإشتراك وبين جهات الإمتياز فكل منها تشكل عامل قوة وإثراء للمجتمع الصغير.

 فلذلك على أفراد الأمة والمجتمع وخصوصاً الحاكم والحكومة أن يكونوا حذرين في تعاملهم اليومي فيجعلوا المواقف والسلوك وأفكارهم تغذي روحية الشراكة التي لا تتم إلا باحترام خصوصية كل مجتمع مكون للمجتمع الذي أكبر منه فلا يتعدى على المجتمعات الصغيرة ولا تمس شخصيتها وكرامتها وعقيدتها, بل يكون هناك معرفة دقيقة عميقة لتلك الخصوصيات والحدود واحترامها, وفي نفس الوقت يكون العمل بجد على تقوية جوانب الإشتراك والشراكة والتوافق وتقليص دائرة الإختلاف والإمتياز فتكون السلوك والمواقف مساهمة في الوحدة والتآلف لا هادماً لها, كما أنه ينبغي أن تبنى الدولة على أساس دستور مألوف وموحد وحاضن للجميع وجامع ومؤلّف ولا يكون كذلك إلا إذا قام على المساواة في الحقوق والواجبات مع الإختلاف والتنوع العرقي والديني والجغرافي وإلا فالمصير هو التفرقة والعدوانية.

ولو تصور أحد المجتمعات المكونة للمجتمع الصغير والكبير أنه يستطيع – بسبب الكثرة والقوة والهيمنة على القرار – أن يذيب ويصهر الآخر في ذاته حتى لو كان مستفيداً من العقيدة في تحقيق ذلك, فهو واهم إذ التجارب البشرية باءت الفشل في تحقيق ذلك وأن تحقق نجاح فهو آني وقصير الزمن ما أسرع أن ينقلب وينفجر على صانعيه كما حصل في الإتحاد السوفيتي السابق, بينما استطاعت الدولة الإسلامية أن تعيش فترة طويلة مع وجود ذلك التنوع العرقي والجغرافي ببركة التوفيق والإحترام لجهات التمايز لكل مجتمع صغير ضمن ذلك المجتمع الكبير وعدم التصادم مع ذلك التمايز والتحسس منه فوق ما لا يستحق, وخير دليل على ذلك قانون الإسلام من أهل الذمة فهو اعتراف وقبول بذلك التمايز الديني.

الحاصل: أن هناك جهات امتياز, وجهات اشتراك بين مكونات المجتمع الواحد بأشكاله المختلفة, الأولى منشأ التعدد والتنوع, والثانية منشأ للتوحد والتجمع.

بناءً على ذلك لكي نعطي حلولاً ناجحة ومثمره لمشاكلنا علينا أن نشخّص أين هي دائرة المشكلة والقضية. هل هي الدائرة الخاصة أم العامة؟ هل هي جهة التمايز أم جهة الإشتراك؟

لكي نشخص الحق القانوني الدستوري في التدخل فيها من عدمه لكي تتجنب كل ما هو مُنفِـر وكل ما هو خالق للتصادم إذ الكل لا يقبل بتدخل الغير في خصوصياته. كما يشهد بذلك السلوك العرفي, فالقبيلة لا تقبل بتدخل قبيلة أخرى في قضاياها الخاصة, وكذلك الأسر, وهذا الرفض للتدخل يلقى قبولاً عند الآخرين ما دام لا يدخل في الدائرة العامة المشتركة, بل يعد من الفضول والتعدي.

 فهل نحن نراعي ذلك في أفعالنا وأقوالنا ونقدنا أم لا؟
هل نعلم أين نحن أم لا؟
هل نحن في الجهة الخاصة أم المشتركة؟

2- إن هنا مشاكل وقضايا ميدانية وفكرية يعيشها مجتمعنا, تصدر فيها آراء ومقالات وكتابات قد نختلف معها, والقليل منها للذي يجانب الأدب وأخلاق النقد أو يجانب الإنصاف فيقول متهماً أو مهاجماً " إن هذه المقالة أو هذا الرأي أو الفكرة أو العمل فتنة أو حماقة أو عصبية أو ما إلى ذلك"

والعاقل لا يطلب رضا الجميع ولا ينزعج من هذه الأباطيل إذ هي رافعة للميزان ومسقطة للآثام, والشجرة المثمرة هي التي ترجم بالحجارة وإلا فلم تـُرجم؟

إن هذا الإختلاف في قراءة حدث أو قضية أو مقال بين أفراد المجتمع الواحد هو أمر طبيعي كما يختلف الناس في الأشياء الأخرى التي حولهم ككتاب أو شخص فالكل ليسوا على وزان واحد بل هناك من يقرأ ومن لا يقر, ومن يتأمل ومن لا يتأمل, ومن يفهم ومن لا يفهم لتفاوت الناس في قدراتهم العقلية بالإضافة إلى التفاوت القلبي من الصفاء والكذورة الذي يلقي بظلاله على ما ترى وتقرأ وتسمع و..., فالقلب له تأثير – إلا من عصم الله – في التقييم, والقبول والرفض, بل قد يؤدي إلى قتل العقل وإطفاء توقدهُ فيصير أبلهً أحمقاً, فلذلك أقول للذي قال ويقول ما لا يليق, أو يفهم ما لا يريد كاتب أو متكل, انتبه يا أخي وأحذر فإن كل ما يصدر وصدر منك يحكي حقيقتك وذاتك لا الكاتب والمتكلم, كما قال العارف الكبير الفيض الكيشاني (قده): كل انسان يفهم من تلك الألفاظ ما يناسب مقامه العقلي والقلبي"

فالإنسان المريض لا يدرك حلاوة السكر, والأعمى لا يأنس بجمال الطبيعة, فالكثير من يجانب الحقيقة في قراءة حدث أو مشكلة لأنه لا يراها إلا بوصف ذاته ونفسه

 عن أمير(ع): الرجل السوء لا يظن بأحد خيراً لأنه لا يراه إلا بوصف نفسه

فعلينا واجب إلهي أن نتقيه سبحانه فيما نقول في قضايا الأمة والمجتمع إذ فيه هداية أو تضليل للأمة والمجتمع, فهو شأن أمه ومجتمع لا فرد من الأفراد, ولا حزب ولا جماعه ولا صديق, ويعظم الجرم بعظم المورد والموضوع, وغش الأمة وخداعها هو أعظم ذنباً وجرما من غش فرد وخداعه.

 

أمير المؤمنين (ع) يقول " إن أعظم الغش غش الأمة"

ولعل من أبرز وأظهر مصاديق الخيانة للأمة والمجتمع هي المجاملة والمصانعة والنفاق في المواضيع والمشاكل التي تتعلق بمصير الأمة والمجتمع وما ذلك إلا بسبب توغل هذا المرض وسيطرته على تلك الذات أو هروباً من نقد الذات وجَلـَدِها – إذ هي أحد أفراد الأمة - لكي لا يظهر نقصها وتقصيرها أو للحفاظ على الجمال المزيف فنجامل أو ننكر, بل نسكت ولا نتكلم علانية لا في الجرائد والمحطات ولا الإنترنت, لأن ذلك خلاف الأدب الموهوم, والمصلحة المزعومة, وما هو إلا حماية بل الإفراط في الحفاظ على جمال الذات الكاذب خوفاً من زجاج الهدوء والسكينة أن ينكسر ولو كان ذلك على حساب الأجيال ومستقبل الأمة والمجتمع, كأن هذا الوسائل الإعلامية لم توجد للتواصل بين أفراد الأمة بل وجدت للمحاباة والتنمق والتزلف لا لتبادل الأفكار والتواصل الفكري والإجتماعي بين أفراد الأمة وإيجاد التفاعل بينها وبين قضاياها وهمومها وشؤونها.

إن هذا كله يكشف أننا تائهون بين الذات والأمة, فلم يستطع البعض حتى فيما يصدر منه أن يميز بين مطلوب الذات والأنا وبين مطلوب المسؤولية والقيم, فلا نزال لا نعرف أن ما قلناه هو ما يريده الأمة والمجتمع أم ذواتنا فذلك نجيب بأجوبة عن قضايا ومشاكل اجتماعية بما تريده الذات وتعشقه وترغب فيه بعيداً عن المسؤولية والقيم التي نؤمن بها فأصبحت الأمة هي الأنا, والأنا هي الأمة, فغابت الأمة في تلك الأجوبة بل حتى القيم التي نؤمن بها بسبب صنمية الذات وعبوديتها وسيطرتها على أحاسيسنا وأقوالنا وتصوراتنا.

 إن هذا الخلط بين عالم الأنا وعالم ألأمة والمجتمع, وأن الفعل الصادر منا متعلق بأيهما أوجب الإختلال من تمييز الموقف أهو متعلق بعالم الذات – بهمومه وأفكاره وأمراض – أم بعالم الأمة والمجتمع ؟

وما دمنا كذلك فلن يستطيع أن نعطي أجوبه صائبة وصحيحة عن مشاكلنا وقضايانا فلذلك علينا أن نعي:

 هل ذلك الرأي المخالف والرافض للآخر أو فكره أو موقفه منشأه عدوان للآخر أم لا؟
هل منشأ ذلك خلاف شخص أم لا؟
هل هذا الغضب والرفض للذات أم للأمة والمجتمع؟
هل ما قلنا هو ما تطلبه الذات ووفق مصلحتها أم المجتمع؟
هل ما صدر منا هو آثار تلك الذات الغارقة في الأنانية أم هو آثار الصدق والإخلاص لمجتمعنا وأمتنا؟

قال تعالى:- بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره

إن هذا الشعور والوعي لهكذا أقاويل وأفعال, هل هي للذات أم للأمة لكي تكون تلك الأفعال والأقاويل صانعة للوعي ورافعة لمعدل النضج الإجتماعي عند أفراد المجتمع تجاه قضاياها إذ الفعل اللاشعوري هو فعل انفعالي وهو مما لا شك ليس ناضجا ولا مفيداً بل ضرره على الفرد والأمة أكثر, فهو خالق للمشكلة أم مكبـّر لها.

فأين نحن, في عالم الأنا أم عالم الأمة والمجتمع؟!!

3- إن البعض إذا حصلت مشكلة عوضاً أن يواجه المشكلة من منطلق الواقع بسلبياته يهرب منه إلى عالم الفكر والقيم المنسية والمهمة فيقول: نحن نؤمن بالوحدة, ونحن نؤمن بالحرية ونؤمن بحقوق الآخرين.

 فلو أراد إنسان أن يتكلم عن ظواهر الفرقة في سلوك المجتمع, وهل نحن نعيش سلوكيات الفرقة في تعاملنا اليومي أو لا, وأراد بذلك أن يعالج مشكلة علاجاً ميدانياً عملياً أو على أضعف التقادير التنبيه عليها, يأتي إنسان يعيش في عالم التصورات والأفكار الغائبة عن الواقع والمهملة والمنسية حتى عن سلوك شخصه فيقول معترضاً:

نحن نؤمن بأننا أمة مسلمة, ونحن نؤمن بالوطن والمواطنة, و.. فهرب من هموم وضوضاء الواقع وآلامه إلى هدوء عالم الأفكار المهملة والمنسية, فالمهم هو الهرب وإن تحقق بألفاظ الزينة والتجميل التي تدلس فلا نرى ذلك الواقع القبيح, كالمرأة التي تخفي قبحها بماكياج ما أسرع أن تزيله سقوط الأمطار فحينئذ لا ينفع ذلك العمل إلا الندم, كأن هذا المنتقد أراد أن يتكلم عن ما يؤمن به حضرته وتغافل أو غفل عن أن الكلام في السلوك والأفعال التي لم تكن حاكية لتلك الإيمانيات وإنما شاهدة على زيفها.

وهذا يثير تساؤلاً مهماً:

ما هي علاقة أفكارنا بواقعنا المعاش؟
ما هو دور مبادئنا وقيمنا في رسم وهندسة واقعنا بهمومه والأمة ومحاسنه ومساوئه؟

وهذا موضوع آخر لا نريد أن نتحدث علن إلا ضمناً وإنما الذي نرغب إثارته والتنبيه عليه هو أن هنا عالمين وهما:

1-      عالم المثل والقيم والأفكار, وهي قد تكون حاضرة فاعلة وقد تكون غائبة ومنسية بل مهملة فلا دور لها ولا تأثير على الفرد فضلاً عن الأمة.
2-      عالم الواقع, والعالم الخارجي بهمومه ومشاكله وجماله وقبحه, وتنوعه, وكمالاته ونواقصه. الذي قد يكون له إرتباط بالعالم الأول وقد لا يكون.

 إن هنا عالمين عالم التصورات والأفكار, وعالم الواقع المعاش, وهما عالمان قد يتقاطعان ويجتمعان فيرسم ويهندس عالم الأفكار عالم الواقع فيحدد دماره ويصنعه على وفق إرشاداته ويلونه بلونه فيكون الواقع حاكي وناطق فعلاً عن تلك الأفكار والقيم, ومظهراً تلك المعتقدات من عزلتها وجمودها وإهمالها. ولكنهما قد ينفصلان فيكون كل منها غريباً عن الآخر, فكل منها يعيش العزلة والوحدة, وكل منهما يعيش في كوكب آخر فيكون عالم الأفكار مهملاً ومنسياً فلا دور له ولا تأثير حتى على حامله والناطق به, وإن وجد فهو وجود لفظي لساني مشروط بالسلامة بل وعدم غضب الآخر حتى لو لم يكن مالكاً لسجن أو جيش وحرس, فكيف بمن يملك!

الإمام الحسين (ع) : " الناس عبيد الدنيا, والدين لعمق على ألسنتهم ما درت معائشهم فإذا فحصوا بالبلاء قل الديانون"

إن هذا الإهمال والنسيان لتك القيم والأفكار يلقي بظلاله على صاحبها أيضاً فيصبح غريباً مهملاً منسياً من قبل الجميع والفرد الذي يعيش حاله الإنفصام بين شخصيته الفكرية وشخصيته العملية, ذلك الجمع الذي يعيش حالة الإنفصام بين شخصيته الإيمانية وشخصيته الميدانية, ومثال ذلك الواضح أن المسلمين – وخصوصاً أهل الذكر – يرددون أننا أمة إسلامية وهم يكفرون بعضهم البعض ويقتلون بعضهم البعض ويكرهون بعضهم البعض ويتآمرون على بعضهم البعض ويتاجرون بقضايا بعضهم البعض, فهل نحن وقعاً أم لا؟

 والبعض الذي يعيش في مجتمع واحد يسمونه الوطن ويكتب ويتكلم ليل نهار بالوطن والمواطنة وحقوق المواطن والمساواة وهم يعيشون العصبية – التي هي من الكبائر – بأشكالها القبلية والمناطقية والعشائرية بل وحتى الدينية التي ساهمت الأحزاب الدينية في إيجادها, بل أوجدت عصبية وعبودية وصنمية جديدة هي الحزب وربه (الزعيم), فأصبحت مصالح المجتمع الأصغر أو الصغير مباحة وكبش فداء للرب والمعبود الجديد, ويا ليت الأمر وقف عند ذلك بل حتى المجتمع الجغرافي (قصيمي وأحسائي و حجازي ,...) الذي هو كيانات المجتمع الصغير أخذ هذا المنحنى أيضاً فوظفت بعض وزارات المجتمع لهذه الكيانات, بل أعظم من ذلك بأن قام أحد التجمعات المهاجرة من منطقتها إلى منطقة أخرى بوضع قانوناً إقتصادياً عجيباً وهو أن يكون لقطعة الأرض قيمتان عند البيع, أحدهما لأبناء تلك الجماعة المناطقية (المجتمع المناطقي المهاجر), وآخر لأبناء الوطن الآخرين وطبعاً الثاني أغلى بكثير مما يـُشعر البعض بالتفرقة والعنصرية العملية حتى أني سمعت أحد الشباب يشتم تلك الجماعة لأنهم كانوا سبباً في حرمانه من شراء أرض للسكن بسبب الإحتكار والغلاء, مع أنهم يتغنون – الوطنية بل والدينية أيضاً.

إن هكذا أفعال تــُُوجد حالة التضارب والتصادم والإنفصام بين مكونات المجتمع, فهم كذئاب تتقاتل على ذبيحة وغنيمة إسمها الوطن (المجتمع الصغير) بأسلوب جمعي وفعل جمعي فكأن المجتمع الأصغر يريد أن يأكل المجتمع الصغير, هم يتغنون بالوحدة والإسلام والوطن والوطنية, وما هي إلا ألفاظ معسولة ومعطرة لإخفاء تلك الرائحة النتنة الصادرة من تلك الأفعال كالذي يضع عطر فرنسي ليخفي رائحته النتنة, ما أسرع أن تزول.

إن هكذا واقع معاش لا يحق لأحد أن يرفض ويحرم على المجتمع الآخر (الأصغر) المشارك له في المجتمع الصغير بأن يسعى إلى حماية وتحقيق مصالحه ومكتسباته وحقوقه بحجة أفكار وقيم وحقوق مهملة ومنسيه عند من ينطق بها ويدعو إليها.

هل المجتمعات الصغرى باختلاف أشكالها – ديني وجغرافي وغيرها- التي هي داخل الوطن الواحد (المجتمع الصغير) يعاملون بعضهم البعض كما يعاملون أنفسهم؟
وهل مصلحهم هي نفس مصالح الآخر أم هناك تغاير وتضارب؟
وهل تقييم الضرر والنفع والربح والخسارة يدخل فيه حساب المجتمع الآخر أم لا؟

 نعم هناك بعض النوادر والشواذ ولكن تكون مجتمع مترابط وقوي وموحد لا يقوم على الشواذ والنوادر بالإضافة أن هذه الشواذ لا ينفي وجود الظاهرة الإجتماعية الحاكمة المسيطرة على التصرفات والسلوك إذ الأفعال تكذّب الأقاويل وتصيرها دعاوى فارغة, كالمرأة الحسناء في منبت السوء (أعني الأقاويل).

فما هو موقف عقلاء وكبراء المجتمع الأصغر حينئذ؟
وما هو موقف الكيانات الإجتماعية داخل ذلك المجتمع الصغير؟
أليس كل مجتمع وكيان حينئذ سيعمل على اتخاذ القرارت التي تحافظ على مصالحه وحقوقه في ظل التضارب والإنفصام؟
وهل الحكمة تدعو لتمسك بقيم وأفكار غائبة ومهمله بل ميّته لا حياة لها ولا روح في الحياة اليومية؟
وما هو السبيل للتعامل مع كيان اجتماعي (المجتمع الصغير) لا يؤمن أفراده بما أؤمن به من مشتركات وطنية ودينية من وحدة مصير وأهداف؟

 إن العقلانية والحكمة حينئذ تقتضي الإيمان بوجود المشكلة والتصدي لها بإيجاد حلول مناسبة لكي يرقى المجتمع ويتعالى فكراً وسلوكاً لا النكران والتعالي هروباً أو تجميلاً للذات ولا التصرف العشوائي ولا اتخاذ القرارات غير المدروسة والمثالية التي تطيل عمر المشكلة وتوسّع دائرة وجودها إذ الكل راع ٍ ومسئول عن رعيته.

 هذا في داخل المجتمع الصغير (الوطن) الذي تتشارك فيه مجموعة من المجتمعات كالمجتمع القبلي والعشائري والمناطقي, ولكن ماذا عن المجتمع الكبير (الأمة الإسلامية والعربية) الذي تكوّنه المجتمعات الصغيرة – بما فيها من تنوّع – كالمجتمع اللبناني والعراقي والإيراني والسعودي وهكذا.

هل هناك حالة انفصام أم وئام واتصال؟
هل يعاملون بعضهم البعض كالنفس الواحدة؟
هل مصالحنا هي مصالحهم والعكس أم لا؟

مما لا شك – كما قلنا سابقاً- أن هناك خصوصيات وأهداف ومصير وهموم خاصة تجمع أفراد تلك المجتمعات الصغيرة, ولكن بما أننا نؤمن ونعتقد بأننا أمة عربية واحده أو أمه إسلامية واحده فهنا أيضاً مقومات المجتمع الواحد من المصير المشترك والأهداف المشتركة والمصالح والآمال المشتركة وإلا لم يكن هناك مجتمع كبير كما نؤمن. وهنا جهة خاصة ومشتركة. فيأتي ما أثرناه سابقاً:-

هل هناك إتزان وتوازن بين الجهات الخاصة وبين المشتركة أم هناك حالة غـلَبَه وهيمنه لأحدهما – الخاصة- على الأخرى؟

 إن الأحداث والمواقف السياسية للنخب بل حتى بعض القادة والمسؤلين إن لم يكن الأكثر وكذلك ردود الفعل لأفراد المجتمعات المسجلة في المداخلات المرئية والمكتوبة شاهد على حالة الإنفصام والقطيعة بين مكونات المجتمع العربي والإسلامي وأفراده فأصبحت قضية القدس شأناً فلسطينياً حتى على ألسن بعض السليطين أنفسهم وأصبح الإعتداء الإسرائيلي على لبنان لا يتعارض مع مصالح المجتمعات الأخرى حتى لم يكلفوا أنفسهم طرد السفير الإسرائيلي فأصبح المسيحي شافيز ذا غيره على الشعب اللبناني من حاكم عربي مسلم, بل عالم دين يدعو لليهود لكي يقتلوا الشيعة الروافض الذين هم أخطر من اليهود أظهرها بحرمة الدعاء لهم.

 أليس كل ذلك أظهر زيف المعتقدات العربية والإسلامية بأننا أمة واحدة ومجتمع واحد ذات مصير واحد؟

أليس كل ذلك أظهر أن الروابط الإسلامية وهم وخيال وأحلام تعشعش في العقول ولا حظ لها من الوجود في حياتنا اليومية؟

أفلا يحق لكل مجتمع (الصغير) ودوله في هكذا واقع معاش أن يسعى لحماية مصالحه ومكاسبه وحقوقه الخاصة ويهمل المشتركة؟

وهل يصح النقض عليه حينئذ بأننا نؤمن بأننا أمة واحده يجمعنا مصير مشترك وأهداف مشتركة؟

إن هذه الحالة أي حالة الإنفصام بين عالم الإيمان وعالم الواقع والممارسة هو الذي ساهم في تأخر وضعف الأمة الإسلامية والعربية وعدم إيجاد حلولاً جذرية وسليمة للمشاكل التي تعاني منها, فهي أمة تؤمن بأنها أمة إسلامية أو عربية واحده وأنها خير الأمم وأنها – ألف أنها – ولكن الواقع المعاش أن الكل يغرد في حلقة جاهلاً الآخر وحقوقه وواجباته بل يتآمر ويعمل ضده فلذلك يكون أمام عبارات (أنها) علامة نفي كبيرة تتسع العالم الإسلامي والعربي, يُوجدها العمل والممارسة التي تكذب ذلك وحينئذ ما هو الموقف والقرار الصائب لحكماء وعقلاء المجتمع الصغير:-

هل سيكون على وفق الفكر المهمل والعقيدة المنسية أم على وفق ظروف الواقع المعاش ومتطلباته؟

4- الحاصل (الخلاصة):

إننا مع الأسف نناقش الكثير من الأحداث والقضايا ولكننا نجهل مورد النقاش, أين نحن؟ وما هو مورد المناقشة والبحث والكلام؟

 الأول: هل هو الدائرة الخاصة أم المشتركة؟ هل خاصة المجتمع الكبير أم الصغير أم الأصغر؟

الثاني: هل هو مورد عالم الأنا والذات – عصبي وأحمق ,... – أم هو عالم الأمة والمجتمع ؟

الثالث: هل البحث والنقاش في دائرة التصورات وعالم المفاهيم والأفكار التي نؤمن بها أم هو عالم الواقع المعاش؟

 إن التمييز وتحديد دائرة النقاش, وأين نحن, هو أحد الأمور المهمة في جعل النقاش مفيداً ومثمراً, بل هو أحد الطرق الأساسية لإزالة الكثير من سوء الفهم ومن ثم إزالة الكثير من الإختلاف في وجهات النظر وبالتالي تحقيق التوافق والعمق المحصل من التراكم الفكري والـتأملي في النقاش, فلذلك علينا قبل الحكم وإبداء الرأي تحديد دائرة البحث والنقاش وأن نعرف أين نحن أيها الأخوة لكي تكون للكلمات والأفكار حضورها وفعاليتها في تصحيح الفكر والواقع وإلا فهو فيه فكر أو تجميل ذات.

 وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

التعليقات (16)
زائر, 19/09/2007 م

الموضوع ممتاز جداً ولكن هل من أذن واعية؟

زائر, 20/09/2007 م

نسأل الله أن يحفظ الجميع هناك نقظة مهمة غلا الاراضي لمصلحمة من ومن المتسبب وهل هناك حلاً لهذا الموضوع


ابو جنان

زائر, 23/09/2007 م

موضوع و طرح راق و موضوعي يا سماحة الشيخ .


فعلاً النقاط الملموسة جديرة بالاهتمام .


نايف الدبيس

المشرف العام, 27/09/2007 م

نبارك لكم شيخنا العيزيز ليلة مولد الامام الحسن ونتمنى أن نراك في المجتمع


ابو هاشم

المشرف العام, 28/09/2007 م

إلى سماحة الشيخ محمد..وصلنا التعليق الذي أرسلته لكن لأسباب فنيه (كون الموقع لا زال يخضع للصيانه التي هي في مراحلها الأخيره) فقد فـُقِد من قاعدة البيانات وليست لدينا نسخة منه وحتى يتسنى لنا إيصاله لسماحة الشيخ نرجو من سماحتكم ارسال التعليق مرة أخرى إذا تكرمتم,,,إدارة الموقع

المشرف العام, 29/09/2007 م

طرح راقي .. و دقيق .. و شامل .. الإختلاف بين الفكر و الواقع في شتى المجالات ، أو ما نستطيع التعبير عنه بالنفاق دلالة على الضعف و الهوان .. و هو ما يعيق الفرد أو المجتمع من مواصلة السير المعرفي و التكاملي الذي يرقى به لهدف وجوده .أشكر سماحة الشيخ على هذا المقال الرائع ، و أشكر جهده .دمت سالما .. و دام عطاؤك .فاطمه

زائر, 25/10/2007 م

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الموضوع رائع وكثر من رائع المهم بأن المجتمع يقرأ ويعرف مصيره


ساميه الصفواني

زائر, 28/10/2007 م





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


وأمّا السكوت خوفاً من الفتنة فأي فتنة فيما إذا ظهرت البدع في العالم أن يظهر العالِم علمه، والعجب أنه إذا قيل فينا ما يمسّ كرامتنا فلا نرى فتنة فيما يحدث من الإضطراب في الأمة، فإذا أهينت مقدسات الوجود نعتذر عن السكوت بخوف الفتنة !!!منهم بدأت الفتنة وإليهم تعود.




آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله

زائر, 28/10/2007 م

يقول السيد محمد حسين فضل الله " نحن ندعو الى الحوار بين العلماء والنقد بينهم ، وعلينا أن لا نعتبر النقد عداوة ... ولكننا لا نزال متخلفين نعتبر النقد عداوة " (فكر وثقافة عـدد 3ص 4 )

زائر, 04/05/2008 م
قرأت الموضوع وأرى فيه تحديدا للمشكلة ... ولكن لم بقدم حلا لها... وفي نفس الوقت ضرب أمثلة محددة -وقد تكون شاذة- عن المجتمعات الأخرى ولكن لم يتطرق للتناقضات التي يقع فيها المجتمع الذي ينتمي إليه...
ضرب مثلا بفعل سلبي: عدم الدعاء لحزب الله في لبنان في مقاومته للمعتدي الإسرائيلي ... ولم يضرب مثلا بحالة أكثر سلبية ... أو حتى إيجابية في الجهة المعاكسة: "محاربة" المقاومة العراقية في مقاومتها "للمحتل" الأمريكي...
الخلاصة ... أن الإنتصار للمجتمع "الأصغر" في دائرة الوطن ... والإنتصار للمجتمع "الصغير" في دائرة الأمة ... تغلب على الواقعية... التي هي النظر الى أخيك بمنظار نفسك...
في هذا المجال ... نجد المجتمع "السني" متقدما بما لا بقاس في مناصرة المصلحة العامة: محاربة الإعتداء ... إسرائيليا أو أمريكيا... مقابل المجتمع "الشيعي" الذي قدم المصلحة الأصغر في محاربة إسرائيل والتحالف مع أمريكا على المصلحة العامة ... والله من وراء القصد
القائمة الرئيسية


1: Select 'Tools' --> 'Internet Options' from the IE menu.
2: Click the 'Advanced' tab.
3: Check the 2nd option under 'Security' in the tree (Allow active content to run in files on my computer.)

السيد القائد

المسرحية الممسوخة

للدخول لألبوم الصور اضغط نا